ابن كثير
18
البداية والنهاية
ووجه شبيبا في الباقي إلى الحارث بن جعونة ، فاقتتل الناس قتالا شديدا إلى الليل ، فلما كان المساء انكشف كل من الفريقين عن الآخر ، وقد قتل من الخوارج نحو السبعين وقتل من أصحاب ابن مروان نحو الثلاثين ، وهربت الخوارج في الليل فخرجوا من الجزيرة وأخذوا في أرض الموصل ومضوا حتى قطعوا الدسكرة ، فبعث إليهم الحجاج ثلاثة آلاف مع الحارث بن عميرة ، فسار نحوهم حتى لحقهم بأرض الموصل ( 1 ) وليس مع صالح سوى تسعين رجلا ، فالتقى معهم وقد جعل صالح أصحابه ثلاثة كراديس ، فهو في كردوس ، وشبيب عن يمينه في كردوس ، وسويد بن سليمان عن يساره في كردوس ، وحمل عليهم الحارث بن عميرة ، وعلى ميمنته أبو الرواع الشاكري ، وعلى ميسرته الزبير بن الا روح التميمي ، فصبرت الخوارج على قلتهم صبرا شديدا ، ثم انكشف سويد بن سليمان ( 2 ) ، ثم قتل صالح بن مسرح أميرهم ، وصرع شبيب عن فرسه فالتف عليه بقية الخوارج حتى احتملوه فدخلوا به حصنا هنالك ، وقد بقي معهم سبعون رجلا ، فأحاط بهم الحارث بن عميرة وأمر أصحابه أن يحرقوا الباب ففعلوا ، ورجع الناس إلى معسكرهم ينتظرون حريق الباب فيأخذون الخوارج قهرا ، فما رجع الناس واطمأنوا خرجت عليهم الخوارج على الصعب والذلول من الباب فبيتوا جيش الحارث بن عميرة فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وهرب الناس سراعا إلى المدائن ، واحتاز شبيب وأصحابه ما في معسكرهم ، وكان جيش الحارث بن عميرة أول جيش هزمه شبيب ، وكان مقتل صالح بن مسرح في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة ( 3 ) من هذه السنة . وفيها دخل شبيب الكوفة ومعه زوجته غزالة ، وذلك أن شبيبا جرت له فصول يطول تفصيلها بعد مقتل صالح بن مسرح ، واجتمعت عليه الخوارج وبايعوه ، وبعث إليه الحجاج جيشا آخر فقاتلوه فهزموه ثم هزمهم بعد ذلك ، ثم سار فجاز المدائن فلم ينل منهم شيئا ، فسار فأخذ دوابا للحجاج من كلوذا ، وفي عزمه أن يبيت أهل المدائن فهرب من فيها من الجند إلى الكوفة ، فلما وصل فلهم إلى الحجاج جهز جيشا أربعة آلاف مقاتل إلى شبيب ، فمروا على المدائن ثم ساروا في طلب شبيب فجعل يسير بين أيديهم قليلا قليلا وهو يريهم أنه خائف منهم ، ثم يكر في كل وقت على المقدمة فيكسرها وينهب ما فيها ، ولا يواجه أحدا إلا هزمه ، والحجاج يلح في طلبه ويجهز إليه السرايا والبعوث والمدد وشبيب لا يبالي بأحد وإن ما معه وستون فارسا ، وهذا من أعجب العجب ، ثم
--> ( 1 ) في قرية المدبج ، على تخوم ما بين الموصل وجوخى ( انظر الطبري - وابن الأثير ) . ( 2 ) في الطبري وابن الأثير : سويد بن سليم . ( 3 ) في الطبري ، جمادى الأول ، وفي ابن الأثير جمادى . وفي الملل للشهرستاني ص 55 : خرج ( صالح ) على بشر بن مروان ، فبعث إليه بشر بن الحارث بن عميرة أو الأشعث بن عميرة الهمداني أنفذه الحجاج لقتاله ، فأصابت صالحا جراحة في قصر جلولاء فاستخلف مكانه شبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني المكنى بأبي الصحاري